أبي طالب المكي

389

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

معاشرة على زنة مفاعلة لأنه شيء يقع بين اثنين لا محالة ، كان كل واحد قد فعل مثله أي يفعل هذا مثل ما يفعل هذا ، مثل المضاربة والمقاتلة والمشاتمة ، إذا فعل كل واحد بصاحبه كفعله به ، ثم الأخوة فوق الصداقة ، وهذا لا يكاد يكون إلَّا بين النظراء في الحال ، والمتقاربين في الحسن ، والمعاني بأن يوجد في أحدهما من القلب والهمة والعلم والخلق ، ما يوجد في الآخر وإن تفاوتا كما قال تبارك وتعالى : * ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) * [ الإسراء : 27 ] . وليسوا من جنسهم ولا على وصفهم في الخلقة ، ولكن لما تشابهت قلوبهم وأحوالهم آخى بينهم ، فهذه أخوة الحال وهي حقيقة الصداقة ، ثم المحبة وهي خاصية الأخوة ، وهذا يجعله الله تبارك وتعالى من الألفة ويوجده من الأنس في القلوب ، يتولاه بصنعه ولا يوليه غيره ، وهذا ارتياح القلوب وانشراح الصدور ووجد السرور ، وفقد الوحشة ، وزوال الحشمة . ثم الخليل وهذا فوق الحبيب ، ولا يكون هذا إلَّا في عاقلين عالمين عارفين على معيار واحد ، وطريق واحد ، وهذا أعز موجود وأغرب معهود ، والخلة مأخوذة من تخلل الأسرار ، ومعها تكون حقيقة الحب والإيثار ، فكل خليل حبيب ، وليس كل حبيب خليلا ، لأن الخلة تحتاج إلى فضل عقل ، ومزيد علم ، وقوّة تمكين ، وقد لا يوجد ذلك في كل محبوب ، فلذلك عزّ طلبه وجلّ وصفه ، وقد رفع الله عزّ وجلّ نبيه محمّدا صلى الله عليه وسلم في مقام المحبة ، فأعطاه الخلة ليلحقه بمقام إبراهيم ، فكانت الخلة مزيد المحبة ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من الخلق خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله عزّ وجلّ ، فلما أتخذه خليلا لم يصلح أن يشرك في خلة الخالق خلة الخلق ، ثم قال : ولكن أخوّة الإسلام فأوقفه مع الأخوّة ، لأن فيها مشاركة في الحال كما فعل بعليّ عليه السلام ، وعدل به عن النبوّة كما عدل بأبي بكر عن الخلة . وفي الحديث الآخر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فرحا مستبشرا فقال : ألا إنّ الله تبارك وتعالى ، قد اتخذني خليلا كما أتخذ إبراهيم خليلا ، فأنا حبيب الله عزّ وجلّ ، وأنا خليل الله ، وليس قبل المعرفة اسم يوجب حكما إلَّا ظاهر الإسلام ، ولا بعد الخليل وصف يعرف إلَّا نعت محب ، ثم تتزايد الحرمات في الأخوات ما بين المعرفة والخلة ، وتعظم الحقوق بطول الصحبة وجميل العشرة ، ويقال صحبة سنة أخوة ومعرفة عشر سنين قرابة ، قد ضم الله عزّ وجلّ الصديق إلى الأهل ووصله بهم ، ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق ، وهو قوله عزّ وجلّ : * ( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) * [ النور : 61 ] . كان الأخ يدفع مفاتح خزائنه إلى أخيه ، ويتصرف في الحضر ويتقلب في السفر ، ويقول لأخيه : حكمك فيما أملك كحكمي ، وملكي له كملكك ، فكان أخوه يتضايق ويتحرج فيقتر على نفسه لأجل غيبة أخيه ،